عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
194
اللباب في علوم الكتاب
شهاب الدين : وهذا رجل ثقة قد نقل هذا القراءة فتقبل منه « 1 » . فإن قيل : ما الحكمة في قوله « إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ » ولم يقل : إن يرد الرّحمن بي ضرّا وكذلك قوله تعالى : إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ [ الزمر : 38 ] ولم يقل : إن أراد اللّه بي ضرّا ؟ . فالجواب : أن الفعل إذا كان متعديا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بالحرف كالأمر « 2 » تعدى بالحرف « 3 » في قولهم : ذهب به وخرج به . ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولا بحرف فإذا قال القائل مثلا : كيف حال « 4 » فلان ؟ يقول : اختصه الملك بالكرامة والنعمة . فإذا قال : كيف كرامة الملك ؟ يقول : اختصها بزيد فيقول « 5 » المسؤول مفعولا « 6 » بغير حرف ؛ لأنه هو المقصود . وإذا تقرر هذا فالمقصود فيما نحن فيه : بيان كون العبد تحت تصرف اللّه يقلبه كيف يشاء في البؤس والرّخاء « 7 » وليس الضر مقصود بيانه كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد اللّه . ويؤيّد هذا قوله من قبل : « الَّذِي فَطَرَنِي » حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فلذلك جعلها مفعول الإرادة ووقع الضر « 8 » تبعا . وكذلك القول في قوله : « إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ » المقصود بيان أنه يكون كما يريده « 9 » اللّه ( وليس « 10 » الضر ) لخصوصيته مقصودا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال اللّه تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] يعني هو تحت إرادته . فإن قيل : ما الحكمة في قوله هنا : « إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ » بصيغة المضارع وقال في الزمر : « إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ » بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم اللّه ؟ . فالجواب أن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلا لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله : « أأتّخذ » وقوله : « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ » والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ [ الزمر : 38 ] .
--> ( 1 ) دافع عن الزمخشري وانظر الدر المصون 4 / 504 وأنا لا أرى مبررا لقبول هذه القراءة فالتكلف فيها واضح وفيها مساواة بين ورد وأورد ثلاثيا ورباعيّا وهو في غاية الشذوذ . ( 2 ) كذا في النسختين . والصحيح كاللازم . ( 3 ) في « ب » بحرف . وانظر : تفسير الرازي 26 / 58 . ( 4 ) في « أ » قال والتصحيح من « ب » والفخر . ( 5 ) الأصح : فيجعل كما في الرازي . ( 6 ) في « ب » مفعول . ( 7 ) في « أ » والرجاء وكذلك هي كما هي أعلى في الفخر . ( 8 ) في « ب » الصفة . ( 9 ) في « ب » يرده . وكلاهما تحريف . ( 10 ) سقط من « ب » .